الشيخ عبد الغني النابلسي

136

كتاب الوجود

--> - وإنما المنكر عليهم وعلى أمثالهم أنكر من قصور فهم ، وقلة معرفته باصطلاحهم ، وعدم علمه ، فإن علومهم مبنية على الكشف والعيان وعلوم غيره مستفادة من الخواطر الفكرية والأذهان ، وبداية طريقهم التقوى والعمل الصالح ، وبداية طريق غيرهم مطالعة الكتب واستمداد من المخلوقين في حصول المصالح ، ونهاية علومهم الوصول إلى شهود حضرة الحي القيوم ، ونهاية علوم غيرهم تحصيل الوظائف والمناصب وجمع الحطام الذي لا يدوم ، فلا طريق إلا طريق السادة الأئمة الهداة القادة ، ولا اعتقاد إلا وحدة الوجود على المعنى الصحيح الموافق للشهود ، والواجب على كل مكلف أن يبحث عنه ، ويتحقق به على الوجه التام ، ويحتفظ بعلمه ، ويترك ما عداه من أقوال علماء الكلام ؛ لأنه القول الحق والاعتقاد الصدق . والواجب أيضا حمايته من طعن الطاعنين وذم الجاهلين أو المتكلمين فيه من غير معرفة به الضالين المضلين . واعلم أنه ليس المراد بوحدة الوجود خلاف ما عليه أئمة الإسلام ، بل المراد بذلك ما اتفق عليه جميع العوالم الخاص والعام ، وما هو معلوم من الدين بالضرورة من غير إنكار أصلا من مؤمن ولا كافر ، ولا يتصور فيه إنكار عند العقلاء من الأنام ، أنّى وجميع العوالم كلها على اختلاف أجناسها وأنواعها وأشخاصها موجودة من العدم بوجود اللّه تعالى لا بنفسها ، محفوظ عليها الوجود في كل لمحة بوجود اللّه تعالى لا بنفسها ، وإذا كانت كذلك فوجودها الذي هي به موجودة في كل هو وجود اللّه تعالى ، لا وجود آخر غير وجود اللّه تعالى . فالعوالم كلها من جهة نفسها معدومة بعدمها الأصلي ، وأما من جهة وجود اللّه تعالى فهي موجودة بوجوده تعالى ، وليس المراد بوجودها الذي هو وجود اللّه تعالى عين ذواتها وجودها ، بل المراد ما به ذواتها ، وصورها ثابتة في أعيانها ، وما ذلك إلا وجود اللّه تعالى بإجماع العقلاء ، وأما ذواتها وصورها من حيث هي في أنفسها مع قطع النظر عن إيجاد اللّه تعالى لها بوجوده لا عيانها أصلا ، وأما القائلون من علماء الرسوم وعلماء الكلام بأن الوجود اثنان ، وجود قديم ووجود حادث ، فمرادهم بالوجود الحادث نفس أعيان الذوات والصور فقط ؛ ولهذا كان مذهب الأشعري - رحمه اللّه تعالى - بأن وجود كل شيء عين ذات ذلك الشيء ، لا زائد عليه ، كما تقرر في موضعه ، وأما الوجود الذي به تلك الذوات والصور موجودة فلا شك أنه وجود اللّه تعالى عند جميع العقلاء بلا خلاف ، وكلام المحققين من أهل اللّه تعالى عن هذا الوجود لا عن الوجود الذي هو عين ذات الموجود ، فالخلاف في رد القول بوحدة الوجود ، وقوله مبنى على تعيين المراد بالوجود ، فمن فسره بعين ذات الوجود يرد القول بوحدة الوجود لإثباته وجودا حادثا هو عين ذات الموجود الحادث ، ومع ذلك رده القول بوحدة الوجود محض خطأ ؛ لأن -